ابو البركات
289
الكتاب المعتبر في الحكمة
افعال في مباديها حتى لا يفعل عبثا ويرى غايات الافعال محكمة في جزئيات الاشخاص واجزائها فيرى معدة تعد لكبد وكبدا لقلب وقلبا لعين وشخصا لشخص واشخاصا لنوع ونوعا لأنواع فهذه الحكمة المستفادة من المحسوسات التي هي الأركان والمعادن والنباتات والحيوان قد انتهى فيها النظر إلى ما انتهى فلنشرع الآن في الحكمة التي هي اجلّ وأعلى وهي معرفة القوى الفعالة الطبيعية والمعدنية والنفوس النباتية والحيوانية والعاقلة العالمة الانسانية . الفصل الثاني عشر في الجن والأرواح لما انتهى الكلام إلى هذا الموضع من الكتاب سألني رفيقي أيده اللّه ان أتكلم على الجن الذين ادخلهم القائلون بهم في جملة الحيوان ورأوهم نوعا مقابلا لنوع الانسان واتبع بالنظر الحكمي تجويز ذلك ومنعه وبالتأمل الحكمي الصادق من الكاذب من خبره وشواهد التجارب والاعتبارات من الآثار والاخبار فأجبته اليه واعترفت له بأن الكلام فيه اثباتا وابطالا وتجويزا وإحالة يلزم النظر فيه في هذا الموضع من العلم فنظرت فيما قيل في ذلك فوجدته يرجع إلى آراء ثلاثة . رأى من يعتمد على الوحي والنبوة المخبرة بوجودهم على ألسنة الأنبياء والحكماء وما دون ونقل عنهم من الكتب والاخبار . ورأى من يعتمد على الحكماء النظار . ورأى من يحيل على المشاهدة والرؤيا والاخبار الموثوق بها عنهما فالذين اعتمدوا على الوحي والنبوة يقولون إن الأنبياء أخبرونا عن اشخاص موجودين لا تدركهم ابصارنا في أكثر اوقاتناهم أرواح تخفى على الابصار مع تشكلها بأشكال وألوان وخلق بأقدار محدودة وصور معروفة مذكورة معدودة يتبوءون الفضاء من ظواهر الأرض وبواطنها غائصين في أعماقها مرتفعين إلى ظهورها مترددين في الأقطار لهم معارف تزيد على معرفتنا خصوصا في الغيب